ابن أبي الحديد

122

شرح نهج البلاغة

ومنه ما يسع الناس ، جهله ، مثال الأول قوله : ( الله لا إله الا هو الحي القيوم ) ( 1 ) ومثال الثاني : ( كهيعص ) ( حمعسق ) . ثم قال : ومنه ما حكمه مذكور في الكتاب منسوخ بالسنة وما حكمه مذكور في السنة منسوخ بالكتاب ، مثال الأول قوله تعالى : ( فامسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت ) ( 2 ) نسخ بما سنه عليه السلام من رجم الزاني المحصن . ومثال الثاني صوم يوم عاشوراء كان واجبا بالسنة ثم نسخه صوم شهر رمضان الواجب بنص الكتاب . ثم قال : " وبين واجب بوقته ، وزائل في مستقبله " ، يريد الواجبات المؤقتة كصلاة الجمعة ، فإنها تجب في وقت مخصوص ، ويسقط وجوبها في مستقبل ذلك الوقت . ثم قال عليه السلام : " ومباين بين محارمه " ، الواجب أن يكون " ومباين " بالرفع لا بالجر ، فإنه ليس معطوفا على ما قبله ، ألا ترى أن جميع ما قبله يستدعى الشئ وضده ، أو الشئ ونقيضه . وقوله ؟ : " ومباين بين محارمه " لا نقيض ولا ضد له . لأنه ليس القرآن العزيز على قسمين : أحدهما مباين بين محارمه والآخر غير مباين ، فإن ذلك لا يجوز فوجب رفع " مباين " ، وأن يكون خبر مبتدأ محذوف ، ثم فسر ما معنى المباينة بين محارمه ، فقال : إن محارمه تنقسم إلى كبيرة وصغيرة فالكبيرة أوعد سبحانه عليها بالعقاب ، والصغيرة مغفورة ، وهذا نص مذهب المعتزلة في الوعيد . ثم عدل عليه السلام عن تقسيم المحارم المتباينة ، ورجع إلى تقسيم الكتاب فقال ، " وبين مقبول في أدناه ، وموسع في أقصاه " ، كقوله : ( فاقرءوا ما تيسر منه . ) ( 3 ) فإن القليل من القرآن مقبول ، والكثير منه موسع مرخص في تركه . * * *

--> ( 1 ) سورة البقرة 255 . ( 2 ) سورة النساء 15 . ( 3 ) سورة المزمل 20 .